جيرار جهامي

مقدمة 18

موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف

لكننا نتساءل : هل تمكّن ابن رشد من الوصول بالمصطلح الفلسفي إلى تجاوز ما قد رسم له من حدود ومضامين وآفاق عند المتقدّمين والمتأخّرين من الفلاسفة والمتكلّمين ؟ أو عند الفقهاء والعلماء والأطباء على مختلف طبقاتهم وانتماءاتهم ؟ سنتّبع في كشفنا عن هوية هذا المصطلح السير في الاتجاه التاريخي - الفيلولوجي . فنجعل نصّه المقروء معاصرا لذاتيته ، ونستخلص منه ما قد يبدو متمايزا عنده ضمن أطر مبدأي وحدة الفكر وتواصليته من جهة ، وتطوّره وتفرّده المطّرد من جهة ثانية . أما التطرّق إلى محتوى مذهبه المعرفي فنخاله أمرا ملاصقا لمنهجيته ، والتي تبرّر استعماله لهذا اللفظ أو ذاك ، دونما إغفال غائية مؤلّفاته وغورياتها الإيديولوجية . إن ابن رشد الشارح الأكبر الذي غاص في أعماق النصوص الأرسطية تفسيرا وتحليلا وتعليلا ، تنقيحا وتعديلا ، عبر شروحات الأرسطيين ، قد كشف عن بواطن المعاني الأرسطية ومقاصدها ، إلى حدّ ذهب معه أحيانا إلى القول أن المقروء في النص لا يعبّر عن شروحات المعلّم الأول إنما تداخلت فيه وتشابكت معه معان طارئة . لكن هذا المنحى التنقيحي لم يمنعه بدوره من استكشاف معالم فكرية جديدة بلورها بمصطلحات مستجدّة ، أو أخرى قديمة ضمّنها معاني خاصّة بفلسفته وأجواء فضائه الفكري . إن لغة المنطق عنده مثلا تنمّ عمّا هو أكثر من صورية الأرسطية وأقلّ من التجربية السينوية . فهو عملي الاتجاه ، واقعي التصوّرات ، لا يعتبر المنطق نظريّا فحسب ، إنما يتداول أغراضه نظرا إلى منافعها في البرهان والجدل والخطابة وأصول كتابة الشعر ، لا بل في النظر الفلسفي والسلوك والمعرفة والعوارف الدينية . « القياس مثلا يجب أن يؤلّف تأليفا مطابقا للموجود ، أعني أن تكون فيه المحمولات في الذهن على ما هي على بالطبع خارج الذهن وهو الذي يعرف بالحمل على المجرى الطبيعي » « 1 » . فابن رشد ، على مثال فلاسفة العرب ، لم يشأ فصل الصورة عن مضمونها ، إنما أبقاها على أرض الواقع حيّة بصفاتها وعوارضها وجواهرها ، مجسّدة بأشخاصها . لكنه يستدرك أمر هذه التوجّهات المستجدّة معه ، والمحدودة ، ليعيد انخراطها في أطر التقليد المنطقي وفاء لنص المعلّم . فينتقد أحيانا الفارابي وابن سينا عندما يشردان بقوله المعهود « ليس هكذا يجب أن يفهم أرسطو » .

--> ( 1 ) ابن رشد ، تلخيص منطق أرسطو ، كتاب القياس ، ص 173 .